محمد بن جرير الطبري
80
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
مراد إلى علي رضي الله عنه ، وهو يصلي ، فقال : احترس ، فإن ناسا من مراد يريدون قتلك فقال : إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر ، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه ، وإن الأجل جنة حصينة . حدثنا الحسن بن محمد ، قال : ثنا عبد الوهاب ، عن الحسن بن ذكوان ، عن أبي غالب ، عن أبي أمامة قال : ما من آدمي إلا ومعه ملك موكل يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له . وقال آخرون : معنى ذلك : يحفظون عليه من الله . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ قال : يحفظون عليه من الله . قال أبو جعفر : يعني ابن جريج بقوله : يحفظون عليه الملائكة الموكلة بابن آدم ، بحفظ حسناته وسيئاته ، وهي المعقبات عندنا ، تحفظ على ابن آدم حسناته وسيئاته من أمر الله . وعلى هذا القول يجب أن يكون معنى قوله : مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أن الحفظة من أمر الله ، أو تحفظ بأمر الله ، ويجب أن تكون الهاء التي في قوله : يَحْفَظُونَهُ وحدت وذكرت ، وهي مراد بها الحسنات والسيئات ، لأنها كناية عن ذكر من الذي هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ، وأن يكون المستخفي بالليل ، أقيم ذكره مقام الخبر عن سيئاته وحسناته ، كما قيل : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها . وكان عبد الرحمن بن زيد يقول في ذلك خلاف هذه الأقوال كلها : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ قال : أتى عامر بن الطفيل ، وأربد بن ربيعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عامر : ما تجعل لي إن أنا اتبعتك ؟ قال : " أنت فارس أعطيك أعنة الخيل " قال : لا . قال : " فما تبغي ؟ " قال : لي الشرق ولك الغرب . قال : " لا " . قال : فلي الوبر ولك المدر . قال : " لا " قال : لأملأنها عليك إذا خيلا ورجالا ، قال : " يمنعك الله ذاك وأبناء قيلة " يريد الأوس والخزرج . قال : فخرجا ، فقال عامر لأربد : إن كان الرجل لنا لممكنا لو قتلناه ما انتطحت فيه عنزان ولرضوا بأن نعقله لهم وأحبوا السلم وكرهوا الحرب إذا رأوا أمرا قد وقع . فقال الآخر : إن شئت فتشاورا ، وقال : ارجع وأنا أشغله عنك بالمجادلة ، وكن وراءه فاضربه بالسيف ضربة واحدة فكانا كذلك ، واحد وراء النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر قال : أقصص علينا قصصك ، قال : ما يقول قرآنك ؟ فجعل يجادله ويستبطئه حتى قال : مالك أحشمت ؟ قال : وضعت يدي على قاتم سيفي فيبست ، فما قدرت على أن أحلي ولا أمر ولا أحركها . قال : فخرجا ؛ فلما كانا بالحرة سمع بذلك سعد بن معاذ وأسيد بن حضير ، فخرجا إليهما ، على كل واحد منهما لأمته ورمحه بيده وهو متقلد سيفه ، فقالا لعامر بن الطفيل : يا أعور يا خبيث يا أملخ ، أنت الذي تشترط على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ لولا أنك في أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رمت المنزل حتى ضربت عنقك ، ولكن لا تستبقين وكان أشد الرحلين عليه أسيد بن الحضير ، فقال : من هذا ؟ فقالوا : أسيد بن حضير ، فقال : لو كان أبوه حيا لم يفعل بي هذا . ثم قال لأربد : اخرج أنت يا أربد إلى ناحية عذبة ، وأخرج أنا إلى نجد ، فنجمع الرجال فنلتقي عليه . فخرج أربد حتى إذا كان بالرقم بعث الله سحابة من الصيف فيها صاعقة فأحرقته . قال : وخرج عامر ، حتى إذا كان بواد يقال له الجرير ، أرسل الله عليه الطاعون ، فجعل يصيح : يا آل عامر ، أغدة كغدة البكر تقتلني ، يا آل عامر أغدة كغدة البكر تقتلني ، وموت أيضا في بيت سلولية وهي امرأة من قيس ، فذلك قول الله : سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ فقرأ حتى بلغ : يَحْفَظُونَهُ تلك المعقبات من امر الله ، هذا مقدم ومؤخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين